أبي حيان الأندلسي
30
البحر المحيط في التفسير
وعباده الذين رسخوا في العلم ، أي ثبتوا فيه وتمكنوا ، وعضوا فيه بضرس قاطع . ويقولون ، كلام مستأنف موضح لحال الراسخين ، بمعنى : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به ، أي : بالمتشابه . انتهى كلامه . وتلخص في إعراب وَالرَّاسِخُونَ وجهان : أحدهما : أنه معطوف على قوله : اللّه ، ويكون في إعراب : يقولون ، وجهان : أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف . والثاني : أنه في موضع نصب على الحال من الراسخين ، كما تقول : ما قام إلّا زيد وهند ضاحكة . والثاني : من إعراب : والراسخون ، أن يكون مبتدأ ، ويتعين أن يكون : يقولون ، خبرا عنه ، ويكون من عطف الجمل . وقيل : الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مؤمنو أهل الكتاب : كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، بدليل لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ « 1 » يعنى الراسخين في علم التوراة ، وهذا فيه بعد ، وقد فسر الرسوخ في العلم بما لا تدل عليه اللغة ، وإنما هي أشياء نشأت عن الرسوخ في العلم ، كقول نافع : الراسخ المتواضع للّه ، وكقول مالك : الراسخ في العلم العامل بما يعلم ، المتبع . كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا هذا من المقول ، ومفعول : يقولون قوله : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وجعلت كل جملة كأنها مستقلة بالقول ، ولذلك لم يشترك بينهما بحرف العطف ، أو جعلا ممتزجين في القول امتزاج الجملة الواحدة ، نحو قوله : كيف أصحبت ؟ كيف أمسيت ؟ مما * يزرع الود في فؤاد الكريم ؟ كأنه قال : هذا الكلام مما يزرع الودّ . والضمير في : به ، يحتمل أن يعود على المتشابه ، وهو الظاهر ، ويحتمل أن يعود على الكتاب . والتنوين في : كل ، للعوض من المحذوف ، فيحتمل أن يكون ضمير الكتاب ، أي : كله من عند ربنا ، ويحتمل أن يكون التقدير : كل واحد من المحكم والمتشابه من عند اللّه ، وإذا كان من عند اللّه فلا تناقض ولا اختلاف ، وهو حق يجب أن يؤمن به . وأضاف العندية إلى قوله : ربنا ، لا إلى غيره من أسمائه تعالى
--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 162 .